تركواز بوست الآن
ماذا يعني أن أعيش اللحظة The Present (الآن)؟

في العقود الأخيرة ، تم مناقشة مفهوم العيش في اللحظة ( الآن ) على نطاقٍ واسعٍ ، مدفوعاً بالنجاح المفاجئ لكتاب إيكهارت تول Eckhart Tolle لعام 1997 ، "قوة الآن" The Power of Now.

و بالنسبة لملايين القراء لإطروحات إيكهارت تول الأساسية ، كان هناك شيءٌ مميزٌ حول ما حدث هنا والآن ، و قد جاء الكتاب كرسالة روحية مكنت الناس (القراء) من الاستفادة منها في الحياة اليومية.

فالقوة التي تمتلكها اللحظة الحالية (الآن) -كما يعتقد الكثير من الناس هذه الأيام- هي حقيقتها و واقعيتها. فأن تكون في "الآن" هذا يعني أنك لست مشتتاً بذكريات الماضي أو توقعات المستقبل.

من خلال "الآن" ...

  • أنت تعيش اللحظة بكل ما هو واقعي و حقيقي أمامك .
  • تقوم بتطبيق الوضوح العقلي ، واليقظة ، والاهتمام الكامل على كل ما تلاحظه و تسمعه و تلمسه.
بكل بساطة... كل ذلك... بنظرةٍ واحدةٍ أكثر عمقاً.

إن جميع الأطفال الصغار يعيشون في "الآن"، فهل هم في وضع أفضل بالنسبة لذلك ، بالمقارنة مع سنوات النضج التي تنتظرهم لتحقيق سن الرشد الكامل؟

فكما هو معلوم فإن كبار السن -عادة- ما يعانون من الخرف جراء فقدان شديد للذاكرة ، مما يضطرهم ذلك إلى العيش فقط في اللحظة العابرة ، و هذه الحالة تكون مربكة وفارغة ، ناهيك عما تخلقه من قلق و عدم وضوح.

أول ما يمكن قوله ، إذا كنا نريد الكشف عن هذه الإشكاليات ، فإن اللحظة الحالية "الآن" ليست هي نفس الدقائق التي تدق على مدار الساعة. كما لا يمكن العثور على قوة الآن من خلال النظر إلى الوقت ، لأن الظاهرة بأكملها تجريبية.

إذ أن العيش في الوقت الحالي "الآن" هو أن يكون لديك تجربة مختلفة -تماماً- للعقل والجسم والنفس والعالم جميعاً.

فالأطفال يقدمون فكرة عملية عن ذلك -إذا كانوا صغاراً بما فيه الكفاية- من خلال عدم تكيّفهم لدرجة تجعلهم متوافقون مع إطار حياة المجتمع.

و في هذا الإطار ، فمن السيء أن نصل متأخرين و لكن من الجيد أن نصل في الوقت المناسب. فالمرء يملأ الوقت في العمل بكفاءة وبطريقة مريحة ، كذلك في الإجازة أو عندما يُمنح وقت فراغ.

بمعنى آخر ، يمثل الوقت جزءاً من أسلوب الحياة الذي استوعبناه مبكراً -في الصغر- من الناس من حولنا ، ويمتد الإطار بأكمله ليشمل المعتقدات الأساسية حول الولادة والموت ، وتقدم العمر ، و كذلك تهيمن الذكريات والآمال والرغبات والمخاوف على الوقت ، وكلها متجذرة بعمق في التوافق الاجتماعي.

طالما أن هذه المفاهيم لديها القدرة على تحديد خبراتك ، فإن تجربة "الآن" يحجبها التكيّف conditioning.

و في الوقت نفسه ، يجب أن ننظر إلى ما يفعله العقل في هذه الدقيقة. إنه يبدو نشيطاً ، و مليئاً بتيار مستمر من الأحاسيس والصور والمشاعر والأفكار.

فالكثير من هذا النشاط يتولد من العادات. و إذا كنت تفكر بنفس الطريقة التي كنت تفكر بها بالأمس ، فإن عقلك لا يتعب في التفكير (بمعنى: على وضعية الطيران الآلي on Autopilot).

علاوة على ذلك ، و من خلال التماهي مع آرائك و معتقداتك، وعاداتك، وتحيزاتك، وردود أفعالك التلقائية، فأنت تعتمد بناءً عقلياً بديلاً عن الواقع.

وهذا البناء ، الذي بنيناه جميعنا منذ الطفولة ، يحدد هوية و شخصية الأنا The ego. و يمكن -هنا- تعريف  الـ "أنا" كاختصار لنموذجٍ مُصنَّعٍ من قبل العقل، والجسم، والعالم، و هذا النموذج يدور حول ما تريده أو تخشاه "الأنا" ، أو ما تجده "الأنا" ممتعاً أو مؤلماً ، وما إلى ذلك.

ومع أخذ كل ذلك بالحسبان ، فإن العيش في الوقت الحالي "العيش في الآن" هو عملٌ زلقٌ.

فالحشرة في الدهن ليست سريعة، و لكن الشخص الذي يحاول تجربة اللحظة الحالية هو في الحقيقة في عمى تام.

إن "الآن" هو المكان الذي نواجه فيه الحياة ، وإذا واجهناها من خلال طبقات من التكيف والافتراضات الخاطئة ، فلن يكون هناك "الآن".

لن يكون هناك سوى تكرارٌ لكل قديم ، مع إدراكٍ هشٍ للأحداث المتغيرة في حال بدء تجربة غير متوقعة ، مثل السفر إلى بلد آخر أو تكوين صديق جديد.

الواقع ، بالنسبة إلى "الأنا" The ego ، أصبحت "الآن" تشكل تهديداً حقيقياً لها، لاحتمالية احتوائها على المجهول.

و دائماً ما تشعر "الأنا" بعدم الأمان في أعماقها ، فهي -الأنا- تحمي نفسها من تهديد المجهول من خلال الإنكار، أو الإلهاء، أو تحويل "الآن" إلى شيء قديم ومألوف.

لذلك ، تكمن قوة "الآن" خارج "الأنا" فقط ، وبما أن "الأنا" هي نتاج الوقت و البنية العقلية الاصطناعية ، فإن العيش في الوقت الحالي يعني الهروب من عبودية الزمن والنشاط المتكرر للعقل.

و بغض النظر عما يفعله عقلك في هذه اللحظة ، فهو يُبعدك عن "الآن".

فالعيش في الوقت الحالي لا يتحقق من خلال التفكير أو الشعور أو التمثيل ، أو القيام بأي شيء آخر مرتبط بالعقل النشط.

و بدلاً من ذلك ، فإن

العيش في اللحظة الراهنة ينطوي على وعي حقيقي.

إذ أن معظم الناس يساوون بين الوعي و العقل ، و لكن الوعي هو في الحقيقة يعتبر مصدر وأصل العقل قبل نشوء أي نشاط، حتى قبل أصغر فكرة.

إذ أنه يتم استدعاء الوعي لمشاهدة ما يلقيه العقل من صور على شاشة العرض ، و تعود هذه الاستعارة إلى أفلاطون Plato وتعاليمه من خلال تجربته (كهف أفلاطون)  و ذلك من خلال عرض الظلال على جدران الكهف.

وفي هذه الاستعارة ، من المهم جداً الانتباه إلى مسرحية الظل.

و يمكن للمرء -فقط- مواجهة الحقيقة من خلال الالتفات للمحيط الذي حوله و رؤية الضوء مباشرة.

حتى الآن ، ستلاحظ أن الحياة في الوقت الحالي و اللحظة الراهنة أصبحت مجردة بشكل متزايد و ربما ماورائية (ميتافيزيقية Metaphysical).

و السؤال هنا.. لماذا لا يمكن أن يكون الأمر بسيطاً بتواجدك هنا و الآن؟

فقط.. يمكن أن يكون الأمر بسيطاً إذا أمكنك التوجه إلى هناك بالطريقة الصحيحة.

فكل ما هو مطلوب منك هو أن تحول الانتباه إلى شعورك بالذات. ففي أي لحظة -وبغض النظر عما يجري ذهنياً "هنا" أو فيزيائياً "هناك"- فإن التجربة تحدث للذات ، و عندها يُمزَج الشعور بالذات مع كل تجربة.

إننا لا نلاحظ إحساسنا بالذات -بشكل طبيعي- فنحن بكل بساطة معتادون على تجاهله. و لكن الذات (النَفْس) هي وصلتنا الحقيقية مع الوعي.

فكل الحياة تتكون من وعيٍ ذاتيٍ حاضرٍ Self-consciously being present. و بمجرد إدراكك لهذه الحقيقة ، يمكنك إعادة صياغة حياتك بما يتجاوز النموذج الاجتماعي الذي كنت متكيّفاً للإيمان به.

فليس من الضروري أن تتعلم الذات أيُّ شيءٍ جديد أو تكافح من أجل الهروب من شيء قديم.

لقد كان إحساسك بالذات حاضراً و عفوياً طوال الوقت -دون أن يُلاحظ- إلا أن الأنا The ego أقنعتك بأنها هي الذات. و بمجرد تجاوز مطالب "الأنا" (I)، فإن التجربة تتغير و تتبدل. و تبدأ بالظهور كحالةِ وعيٍ حرة ليس لها أجندة.

و سيصبح إحساسك بـ "الذات" Self -إذا لاحظته- متشابكاً و مندمجاً بشخصيتك الفردية وقصة حياتك ، وهي القصة التي تبنيها باستمرار يوماً بعد يوم ، و سنةً بعد سنة.

أما اللحظة الحالية... فإنها تتجاوز كل القصص... إنها موجودة خارج الزمن ، وهذا هو السبب في أن جميع التقاليد الروحية تصف "الآن" كمكانٍ بعيدٍ يتجاوز العالم المادي.
  • هذا المكان ليس من السكينة الصوفية أو وعد من السماء. إنه هنا والآن It is here and now ، كإمكانيةٍ حقيقيةٍ للحظة الحالية.
  • هذا المكان هو وعيٌ تام ، يمكن لأي شخص الولوج إليه.
  • إنه مجال لكل الاحتمالات ، والذي للأسف قمنا بتقييده عبر شخصية "الأنا" في ميدان صغير ذو إمكانيات محدودة.

إن اللحظة الحالية ليست سوى حالةٍ متحررةٍ من الشعور بالذات. و لدى إدراكنا لهذا ، يمكننا مناقشة ما تشعر به هذه الحالة المتحررة ، وما الذي يمكن أن تقدمه كل يوم ، والأهم من ذلك كله ، كيف نصل إلى هناك ونجعل من اللحظة الحالية موطننا الحقيقي. و سيكون هذا هو موضوع المقال القادم .

بقلم الدكتور ديباك شوبرا

الآن مقطع فيديو للرائع ديباك شوبرا يتحدث بها عن قوة الآن

video.jpg

ننصحك بقراءة المقالات التالية :

ديباك شوبرا - 5 عادات جوهرية حاسمة لـ النوم المريح

ديباك شوبرا - هل حان الوقت للتوقف عن الإيمان بالسحر ؟؟؟

الأنا أقوى .. كلما ازداد وعي الشخص


المصادر


الوسوم



المؤلف

هدفنا إغناء المحتوى العربي لأن القارئ العربي يستحق المعلومة الصحيحة والمفيدة، و التي تنشر الآن في أهم المواقع العالمية ،


التعليقات